الشيخ محمد زاهد الكوثري

181

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

وإعلام القرآن ، وإفهام القرآن الذي هو كلام اللّه تعالى ، وقال تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [ النّساء : 163 ] أي أنزلنا إليك وأفهمناك كلامنا القديم ، كما أنزلنا وأفهمنا من قبلك كلامنا القديم فالإفهام لم يكن ثم كان . وأما المفهوم الذي هو كلام اللّه القديم فهو موجود ثابت قبل الإفهام وبعده على صفة واحدة ، لا يختلف ولا يتغير . جواب آخر : وهو أن هذا الحديث قد روي من طرق عدة ، وأضيف إليه الصوت المشبه بجر السلسلة إلى الخلق ، لا إلى كلام الحق ، فمن ذلك ما روى النواس بن سمعان قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا تكلم اللّه بالوحي أخذت السماوات منه رجفة شديدة من خوف اللّه تعالى ، فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخرّوا سجدا ، وأول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام ؛ فتكلم اللّه من وحيه بما أراد ، فينتهي به جبريل عليه السلام على الملائكة ، كلما مرّ بسماء سأل أهلها ما ذا قال ربنا ؟ فيقول جبريل الحق ، وهو العلي الكبير » فثبت أن الصوت المشبه بالسلسلة صوت رجفة السماوات ، لأنهم سمعوا صوت رجفة السماوات لا كلام اللّه تعالى ، ولهذا سألوا جبريل اللّه تعالى ما ذا قال ربنا ، فدلّ على أنهم لم يسمعوا كلامه ، وإنما سمعوا صوت رجفة السماوات ، التي شبهت بحر السلسلة ، لأنهم لو سمعوا ما سمع جبريل لفهموا كما فهم جبريل . وروى أبو هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا قضى اللّه الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ، كأنه سلسلة على صفوان » فأضاف الرسول عليه السلام هذا الصوت المشبه إلى صوت أجنحة الملائكة ، لا إلى كلام اللّه تعالى وحديث أبي هريرة هذا صحيح . أخرجه البخاري ، وحديث النواس أخرجه مسلم في كتابه ، وروى أبو الضحى مسروق ، عن عبد اللّه أنه قال : « إذا تكلم اللّه بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان » وفي رواية : « سمع أهل السماء للسماء صلصلة » وليس في شيء من هذه الروايات إذا تكلم اللّه سمعوا من اللّه صلصلة ، وإنما سمعوا من السماء إذا أحدث اللّه فيها رجفة ، وجعل ذلك علامة لأهل السماوات . يعلمون بها أن اللّه تعالى تكلم بالأمر ، وأن المخصوص بسماع كلامه جبريل عليه السلام ، ولهذا سألوه ما ذا قال ربنا يا جبريل ؟ فيقول : قال الحق . فيقولون : قال الحق . فيصفون اللّه تعالى بقول الحق ، لا بالصلصلة والصوت ، فصار هذا الحديث حجة عليهم لا لهم .